صدام.. الحياة السرية + صور نادرة

 

منذ حرب الخليج عام 1991 وصدام حسين مثار للعديد من التساؤلات في الغرب ،كانت قدرته على البقاء في السلطة والفترات التي بدا أن النظام العالمي كان يغض فيها النظر عنه، تتعارض بشدة مع ما كان ينشر ويذاع في الغرب عن أساليبه الدكتاتورية القاسية وطغيانه الذي لم يعرف الحدود لكن كل ما وقف عليه الغرب من صفات ذلك الدكتاتور وممارساته لم يكن شيئا بالقياس إلى ما ظل بعيدا عن الأسماع والعيون خلف ستار السرية المفرطة التي ميزت فترة حكمه.  
غلاف الكتاب

-اسم الكتاب: صدام.. الحياة السرية
-المؤلف: كون كوغلين
-عدد الصفحات:350
-الناشر: بان ماكميلان، لندن، 2003
 
فقد كان من العسير على الغرب إيقافه عند حده أو فرض القيود على مدى تجبره فالرجل كان مصابا بحالة متقدمة من البارانويا (جنون الاضطهاد)، ولم يكن يتورع عن ممارسة العنف ضد أبناء شعبه وسواهم، كما أن مواقفه إزاء خصومه السياسيين لم تعرف أبدا أي درجة من الليونة.

لكن التفكير باللجوء إلى استخدام القوة ضده لم يطرح على مائدة البحث إلا في أواخر عام 2001 عندما أثيرت تكهنات حول احتمال وجود علاقة له بالهجمات الإرهابية التي شنت على الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر/ أيلول من ذلك العام. فقد دفعت المؤشرات التي توفرت عن احتمال قيامه بإنتاج أسلحة للدمار الشامل الرئيس جورج بوش إلى التفكير باتخاذ إجراء عسكري ضده.

أثار ذلك القرار ولا يزال يثير الكثير من الجدل بسبب عدم العثور على أي أثر لأسلحة الدمار الشامل في العراق وبات الكثيرون في الغرب وفي أميركا خصوصا يعتقدون بأن الحرب على العراق قد شنت استنادا إلى معلومات مشوهة وأغراض دعائية ولا يبتعد المؤلف عن الطروحات التقليدية والمكرورة إزاء تحليل أسباب قسوة ووحشية صدام حسين كشخص, بإحالتها إلى قسوة وغلظة حياته في السنوات الأولى لنشأته واليتم المبكر الذي تعرض له .

وقد تصاعدت مؤخرا الاتهامات التي تفيد بأن الحكومة الأميركية قامت متعمدة بالمبالغة في أهمية بعض التقارير الاستخبارية من أجل استنفار الرأي العام وحرفه لصالح اختيار الحرب وعلى نفس المنوال فإن هناك اتهامات أشد للحكومة البريطانية بأنها زورت تقارير واستندت إلى معلومات هشة وغير دقيقة بهدف حشد التأييد لقرارها بدخول الحرب مع واشنطن.

يهدف مؤلف هذا الكتاب والذي أصدره قبل الإطاحة بصدام حسين إلى تقديم سيرة شاملة لحياة الطاغية العراقي.. فهو لا يقف عند حد تغطية سنوات حكمه كرئيس للجمهورية العراقية أو يكتفي بتغطية إجراءاته السياسية، وإنما يعود إلى أيام طفولة صدام المبكرة، ويقلب تاريخ أسرته وتفاصيل حياته الخاصة بحثا عن العوامل والتأثيرات التي يمكن أن تكون قد لعبت دورا في صياغة شخصيته وتشكيل مواقفه.

ولا تبتعد مناقشة المؤلف عن الكثير من الطروحات التي صارت تقليدية ومكرورة إزاء تحليل أسباب قسوة ووحشية صدام حسين كشخص بإحالتها إلى قسوة وغلظة حياته في السنوات الأولى لنشأته واليتم المبكر الذي تعرض له، وسوى ذلك.

ويعترف المؤلف بالصعوبات التي واجهها في سعيه لتوفير مراجع الكتاب وبالتأكيد فإن الوضع الراهن وانكشاف الكثير من الحقائق والأسرار تحت الاحتلال الأميركي والتسابق لكشف فظائع النظام السابق هي فرص للاستفادة فاتت المؤلف.

ففي السابق وخلال جمعه لمواد الكتاب كانت السرية المطبقة التي اكتنفت كل ما له علاقة بنظام صدام حسين لا تسمح بتسرب الكثير من المعلومات عنه وكان على المؤلف أن يعمل بأقل عدد ممكن من الأدوات والمعلومات بل إن كوغلين يدعي أن أغلب الشهود الرئيسيين كانوا يخشون حتى مقابلته ناهيك عن التحدث إليه، كما أن عددا كبيرا ممن كان بإمكانهم مساعدته كانوا قد فارقوا الحياة.

ومن بين القلة القليلة التي وافقت على الحديث معه، اشترطت الأغلبية عدم ذكر أسمائها أو الإشارة إليها بأي شكل من الأشكال وقد كان من نتيجة ذلك عدم إمكانية التثبت من صحة أو دقة الكثير من المعلومات التي ضمها الكتاب فالحكايات الكثيرة عن سلوك صدام وسيرته تتعارض فيما بينها تعارضا كبيرا، وهي بمجموعها مختلفة عن السيرة الرسمية المكتوبة لصدام حسين.. حتى المؤلف نفسه لا يمتنع عن الإشارة إلى صعوبة التحقق من المعلومات التي يوردها، فتجده في مواضع كثيرة يشير إلى ما يعتبره مشكوكا فيه من التفاصيل غير المؤكدة وإزاء ذلك لا يسع القارئ إلا أن يتوقع أن تكون المقاطع الضبابية قد استثمرت من قبل هذا الطرف أو ذاك لنسج المزيد من الحكايات الدعائية.

يبدأ المؤلف بداية غير موفقة عندما يحاول ربط الرئيس العراقي بهجمات سبتمبر/ أيلول 2001، ويقدم لذلك دليلا لم يسبقه إليه غيره، وهو الأمر الذي أصدره صدام بوضع قواته المسلحة في حالة إنذار قبل أسبوعين من تاريخ الهجمات ثم يشير إلى ما أعقب ذلك من حديث عن وجود اتصالات بين مسؤولين عراقيين وأشخاص يشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة ولا يمكن لهذه المحاولة من المؤلف إلا أن تعتبر محاولة فجة للتأثير على قناعات القارئ قبل الدخول إلى مادة الكتاب الأصلية وهي سيرة صدام حسين ويزيد الأمر سوءا أنها محاولة غير ضرورية أبدا بالنظر لما تضمه السيرة وصاحبها من سلبيات وفظائع ليست في حاجة إلى إضافات مختلقة.

يكشف الكتاب عن شخصية لصدام أكثر تعقيدا مما يتوقعه القارئ، فعلى العكس من بن لادن لا يمكن اعتبار صدام من المسلمين الأصوليين، حيث يشير المؤلف إلى تعاطيه للويسكي وعلاقاته مع النساء إلى جانب أمور أخرى لا يمكن أن تعتبر من مزايا المسلم الملتزم.

ويقول الكاتب إنه قبل أحداث سبتمبر/ أيلول لم يظهر صدام أي اهتمام بتنظيم القاعدة لكن تلك الأحداث لفتت نظره إلى الدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه ذلك التنظيم، الأمر الذي يمكن أن يكون قد حمله على تقديم الدعم له وهذا الاستنتاج أو التوقع الأخير هو أضعف نقاط الكتاب لأن صدام كان في وضع أضعف من أن يفكر في دعم القاعدة خاصة بعد أن وضعت تحت دائرة الضوء وثار السعار الأميركي لمعاقبتها ومعاقبة كل من يتهم بأن له علاقة بها، فقد كان للعراق ما يكفيه من مشاكل مع الولايات المتحدة.

ويقارن المؤلف طفولة صدام حسين بطفولة شخصيتين أخريين اقترنتا بالفظائع التي ارتكبت في القرن العشرين هما هتلر وستالين.

ويستخدم كوغلين هذه المقارنة لتوضيح أبعاد شخصية صدام، ويقول إنه من الواضح أن صدام لم يعرف أباه مطلقا، وقد جاء من أسرة فقيرة ومن بيئة غير ودية، وواضح أيضا أنه لم يكن يعرف حتى تاريخ ميلاده. أما اليوم الذي اعتبر فيما بعد عيد ميلاده الذي يحتفل به رسميا يوم 28 أبريل/ نيسان فإنه موضع خلاف كبير، إذ لا يكتفي الذين يعرفونه بالطعن في صحة تاريخ اليوم المحدد فحسب، وإنما يختلفون أيضا حول العام أيضا وهو عام 1937 حسب التاريخ الرسمي أو قبل ذلك بعامين حسب ما يقول البعض. وكما هو الحال بالنسبة ليوم مولده، فإن المعلومات المتعلقة بتحركاته المبكرة متضاربة وغير موثوقة.

أمضى صدام سنوات طفولته المبكرة في كنف خاله خير الله طلفاح ذي الميول النازية وهو وصف غير دقيق ويستنتجه الكاتب بتسرع بسبب تأييد بعض العرب لألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية ضد بريطانيا التي كانت مستعمرة لبلدانهم وعندما طرد طلفاح من الجيش وألقي به في السجن بسبب معارضته لبريطانيا، اضطر صدام إلى العودة للعيش مع أمه وزوجها الجديد، لكنه كان قد تشبع بالمشاعر القومية الحادة التي غذاه بها خاله حيث لم يكن صدام موضع ترحيب ضمن الأسرة الجديدة التي انضم إليها بسبب كونه ابن رجل آخر غير رب الأسرة ويتوقف المؤلف هنا طويلا عند المعاملة السيئة التي تلقاها صدام وسط أسرته الجديدة.

كان أترابه يعيرونه بفقدان الأب ويتجرؤون على معاكسته لعلمهم بعدم وجود من يحميه أو يدافع عنه. وقد استعاض صدام اليافع عن حماية الأب بقضيب من الحديد كان يحمله معه أينما ذهب كي يدافع به عن نفسه.

وقد شهدت تلك الفترة من حياته نمو نزعة سادية عنيفة لديه إزاء الحيوانات لكن المؤلف حين يسعى إلى اختصار السنوات التي شهدت تشكل شخصية صدام، لا يقدم للقارئ سوى سلسلة من الكليشيهات المعتادة علمته الطريقة التي تربى بها أن لا يثق بأحد كائنا من كان، كما علمته أهمية الاعتماد على الذات، وجدوى استخدام القوة الوحشية لإخافة كل من يقف في طريقه.

وتعتبر علاقة صدام بحصانه خروجا على هذا السياق، إذ يقص علينا المؤلف كيف هد الحزن قلب صدام الفتي لموت الحصان الذي كان "المخلوق الوحيد الذي أحبه".

تلك إذن الخلفية التي انطلق منها صدام إلى ممارسة العنف والقسوة عندما قيض له أن يستلم الحكم في العراق عام 1979. وكان أول ما قام به صدام عند استلامه السلطة تصفية خصومه السياسيين جسديا، وهو المنهج الذي واظب عليه منذ ذلك الحين. لكننا نعرف الآن أنه منذ وقت طويل والولايات المتحدة ترغب في إزاحة صدام حسين عن الحكم. وقد اعتبر إخفاق بوش الأب في تحقيق هذه المهمة أثناء حرب الخليج 1991 خطأ جسيما.

وقد أصبحت العلاقة الأميركية-البريطانية-العراقية مصدرا لكم هائل من الدعاية والدعاية المضادة التي يطلقها الطرفان ولا يزال الكثير من الاتهامات يصدر كل يوم حول الطريقة التي اعتبرت بها إزاحة صدام جزءا من "الحرب ضد الإرهاب" وقد تمر سنوات طويلة قبل أن يكشف النقاب عن حقيقة ما تم في مجال التعامل بالتقارير الاستخبارية التي قادت إلى شن الحرب على العراق.

أما عمل كوغلين الذي نحن بصدده، فإن تتابع ظهور المعلومات الجديدة التي تطعن في صدقية الحكايات التي نسجتها الحكومة الأميركية وأجهزتها الاستخبارية حول مبررات الحرب، بات يهدد بإخراج الكتاب من دائرة الأحداث ومادام الدكتاتور قد أزيح ونظامه قد تقوض، فإن كتاب "صدام.. الحياة السرية" قد فقد فصله الختامي.

 

 

 

وكالة انباء النخيل